ابن عجيبة

387

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال الأقليشى : جاء في حديث : « إن بعد ما بين السماء والأرض ، وما بين سماء إلى سماء ، مسيرة خمسمائة سنة » . وفي حديث آخر : « إن بين ذلك نيّفا وسبعين سنة » ، وإنما وقع الاختلاف في ذلك بالنسبة إلى سير الملائكة . وان سرعة بعضها أكثر من سرعة بعض . كما يقول القائل : من موضع كذا إلى كذا مسيرة شهر للفارس وشهرين للراجل . وعليه يخرج قوله تعالى : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ . وقال في آية أخرى : خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ « 1 » . وهكذا الوجود من علوه إلى سفله ، من الملائكة من يقطعه في مدة ما ، ويقطعه غيره في أكثر منها أو أقل . ه . وقيل : المعنى : أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، ثم يعرج إليه ذلك الأمر ، فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة ، أو خمسين ألف سنة . فقد قيل : إن مواقف يوم القيامة خمسون موقفا ، كل موقف ألف سنة . وقد حكى هذا ابن عطية ، فقال : يدبر الأمر في مدة الدنيا ، ثم يعرج إليه يوم القيامة . ويوم القيامة : مقداره ألف سنة ؛ من عدّنا . وهو على الكفار قدر خمسين ألف سنة ؛ لهوله ، حسبما في سورة المعارج . ه . قلت : والتحقيق ، في الفرق بين الآيتين ، أن الحق تعالى ، حيث لم يختص بمكان دون مكان ، وكانت الأمكنة في حقه تعالى كلها واحدة ، وهو موجود معها وفيها بعلمه وأسرار ذاته ، كان العروج إنما هو إليه على كل حال ، بعدت المسافة أو قربت . لكن لما علق العروج بتدبير الأمور وتنفيذها ، قرّب المسافة ؛ ليعلم العبد أن القضاء نافذ فيه بسرعة . ولمّا علّق عروج الملائكة والروح إلى مطلق الذات المقدسة بعّد المسافة ؛ زيادة في علو شأنه ورفعة قدره . وكل هذا العروج في دار الدنيا . على قول من علّق ( في يوم ) بتعرج في سورة المعارج . فتأمله . ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، أي : ذلك الموصوف بتلك الصفات العظام هو عالم ما غاب عن الأبصار من عجائب أسرار عالم الملكوت ، وما شوهد في عالم الحس من عجائب عالم الملك . الْعَزِيزُ ؛ الغالب أمره وتدبيره ، الرَّحِيمُ ؛ البالغ لطفه وتيسيره . الإشارة : اعلم أن الحق تعالى تجلى بهذه الكائنات ، قطعة من نور ذاته ، على ترتيب وتمهيل . فتجلى بالعرش ، ثم بالماء ، فكان عرشه على الماء ، ثم بالكرسي ، ثم بالأرض ، ثم بالسماوات ، ولما أكمل أمر مملكته تجلى بنور صمدانى رحماني من بحر جبروته ، استوى به على عرشه ؛ لتدبير ملكه ، ثم تجلى بآدم على صورة ذلك التجلي . ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » . وفي رواية : « على صورة الرحمن » . وبذلك التجلي يتجلى يوم القيامة لفصل عباده ، ولرؤيته - باعتبار العامة - ، وهذا التجلي كله ، من جهة معناه ، متصل بسائر التجليات ،

--> ( 1 ) الآية 4 من سورة المعارج .